قريش من القبيلة إلي الدولة المركزية

     يجتهد خليل بكار في هذا البحث – هذا يحسب له – لبحث جذور البناء السياسي لأصول الكيان العربي القرشي – هو ليس أول كيان عربي – وأثر ذلك منذ عهد الجد الأكبر للرسول – صلى الله عليه وسلم – قصي بن كلاب منذ أن جمع قريش على كلمة واحدة ودولة واحدة وإن كان الصحيح أنهم لم يقوموا بدولة ذات نظم فاعلة وحاكمة وقانون دستوري بالمفهوم السياسي ولكن الأمر كان أشبه بحلف وإتفاقية تقوم في الأساس على خدمة البيت – الكعبة ومن هذا الإرث ستبني قريش لنفسها مكانتها العظيمة حتى قيام الإسلام وبروزه.

9758276

     في الباب الأول : من الكتاب، يتناول (قصي بن كلاب) في الفصل الأول المؤسس لعصبة قريش ومن ثم الخلفاء من بعده أبنائه هاشم وعبد المطلب، ثم الحديث عن حلف الفضول وهو من المراحل المهمة في الحياة القرشية لما وهبهم من مكانة اجتماعية وحضور طاغي بين القباذل حتى أصبحوا يعرفوا على مستوى القبائل بـأهل الحرم، ثم ينهي الباب الأول بـملأ قريشوعن دور الزعماء القرشيين في بلورة فكرة من سبقهم في إقامة كيان قرشي حقيقي يكحاول جاعدًا أن يخطو خطوته الأولى تجاه الدولة ليكون ذا مكانة أعظم، ويكاد يكون الفصل الأول تأسيس جيد لفكرة الكاتب. حيث لم يقف عند قصي بل نقل الشمولية أكثر مع (هاشم بن عبد المطلب) الذي نقل مكة من محلية بسيطة لعالمية أكثر مكانة وأقصد بعالمية حيث الفرس والبيزنطية وبقية الدولة العربية واليمن في المنطقة والحبشة، ومن بعده عبد المطلب الذي نهج نفس خطى والده وعزز دور قبيلة قريش بالأحلاف والمواثيق بين بقية القبائل العربية مستخدمًا بذلك عنصر عربي مايزال يت إستخدام إلي اليوم بفاعلية وإتقان وهو الدين.

     في الباب الثاني : حديث عام عن الديانات كـ(الحنفية) وإن كان بحثه فيها ضعيف بعض الشيء، وتناول الديانات الأخرى السماوية والوضعية وأثرها في إستقطاب بعض الشرائح العربيةو ومدي إنتشار النصرانية بين قبائل العرب.

     في الباب الثالث : يخص التصاعد القرشي إزاء بعض القوى السياسية في المنطقة أو القريبة والمؤثرة كالدولة البيزنطية ودولة الفرس التي تريخيًا لم تكن تحمل العداء الذي سوف يظهر بعد الإسلام – إسقاط الإمبراطورية الفارسية – وسوف يتفشى أكثر وأكثر العنصر الشعوبي منذ القرن الثالث الهجري، وهو هو أي المؤلف يرى بروز قوى قريش ومكانتها قبل الإسلام بعقود بسيطة نتاج ضعف الدولتين الفارسية والبيزنطية، ولا أعلم حقيقة أين تلك القوة والتقدم إزاء ضعفهما فهما مع تدهور وضعهما في تلك الحقبة أي قبل الإسلام لم يكن بالمقابل لقريش أي دور يتجاوز منطقة الحجاز ورحلتي الصيف والشتاء والعناية ببت الله الحرام فقط. وهو دور مستمر منذ عهد قصي لقبل الإسلام.

     كذلك يتناول في هذا الباب خاتمًا إياه بفصل غريب عن الأنصار لا أعلم ما هي المزاجية الحادة – بعض الشيء – في هذا المبحث الأخير، وهي وجهة نظر قاصرة تجاه عنصر الأنصار ودورهم في قيام الدولة الجديدة في المدينة.

     في الباب الرابع : المقدمات الاجتماعية وهو يمثل الدوار الاجتماعي لقبيلة قريش الذي لعبته في المنطقة بفضل المقدسات الدينية. وهو يخصص لتتبع نمط المجتمع من بدو وحضر، ومكانة كل فئة في المنطقة العربية، وعن مدى الإختلاف بين الأسرة والقبيلة كدور اجتماعي يخدم الفرد في بيئته، ثم يتحدث عن الفقراد والأغنياء كجانب اجتماعي وليس من باب إقتصادي وأثر ذلك، ويخص كل الطبقات الأخرى العربية وغيرها من الموالي، والتنواط، والخلعاء – الصعاليك – ،ثم يتحدث عن القبيلة ودورها في الحكم وهو أمر يكاد يكون مرتبط بكل القبائل والكثير من الدراسات تناولت هذه الجوانب فهو حديث مكرر لم يأتي بجديد فيه.

     في الباب الخامس : المقدمات الإقتصادية، وهو عندي من أجمل أبواب الكتاب للدور الإقتصادي الذي لعب في تغيير الهوية القرشية عنما كانت علية في عهد قريش ثم من جاد من بعده فيدرس الباحث دور المردود من غنائم الحرب – وهي غزوات صغيرة لا تتجاوز حدود الدفاع عن نفسها وكيانها الديني الجديد – والضرائب التي تفرض على القبائل المارة بالمنطقة وقوافل التجارة ودورها في إنتعاش الحجاز، ثم حديث جميل عن تعاظم الثروة ووجود هوة جديدة بين الطبقة البلوتاريا – الكادحة – وبين الإرستقراطية التي كانت تزداد ثراءً وتخلف ورائها فقراء حتى كادت تختفي معها لطبقة المتوسطة – ومعلوم أن غياب الطبقة المتوسطة بداية ضياع الدولة أنظر في النمودج العربي حاليًا – ثم بدايات ظهور الثراء الفاحش والقوافل التي تحمل اسم صاحبها وكثرة العبيد، ناهيك عن عدم إغفال دور الزراعة في المنطقة ومردودها الإقتصادي.

     في الباب السادس : المقدمات الثقافية ودور الشعر والخطابة ولم يتناولهما كجانب إبداعي فليس هذا موضوعه ولكنه يأخذهما من باب إنتاجهما كمنتوج لغوي في الجاهلية والإسلام، وكإرث القبيلة ودورهما في صناعة الحدث التاريخي على مستوى القبيلة الواحدة، وهذا سوف نشاهد في الغزوات والغارات والثأر وإن كان يهمنا من دورهما في بداية بروز الإسلام.

     المتأمل في الكتاب وبنيته يعي مدى سبب تخوف قريش من الدين الجديد الذي جاء ونادى به محمد – الإسلام – وكيف أنه سوف يفقد قريش قاطبة مكانتها التي ورثتها من قصي ومن جاء من بعده من نسله حتى عهد بداية الإسلام والتحول الذي تركه الدين الجديد في قريش بين القبول والرفض. فمحمد – عليه السلام – جاء وعلموا جيدًا أن الأفكار التي ينادي بها سوف تلغي الكثير من مميزات الطبقية ومناداتها بالمساواة تلغي عليهم تميزهم وتحارب جاهليتهم المتأصلة في جيناتهم العربية. فالمبدأ ليس كرهًا في الدين الجديد بقدر ماهو خشية ضياع مكانتهم.

  • الدراسة سوسيولوجية جميلة عن الزمان والمكان في منطقة الحجاز قبل الإسلام.

 

  • مال المؤلف ميلة مبالغ فيها تجاه القرشيين وكان قرشيًا أكثر من قريش حتى أنه أبخس أخوانهم الأنصار بعض أمتيازاتهم المكانية.

 

  • إعتماد الكثير من نتاج الدراسات الحديثة في بحثه وحتى لو لم يشير فالقارئ في الدراسات الحديثة / التاريخية والسوسيولوجية في شبه جزيرة العرب سيعرف ذلك، وهي في النهاية دراسات تحمل الصواب والخطأ كأي دراسة لكن التعويل عليها في خانة المصدر الواحد بسبب إشكالية.

عن الكاتب ميقات
ميقات الراجحي .

أكتب تعليق

*