على الوردي : قراءة في كتابته التاريخية

على الوردي : قراءة في كتابته التاريخية ..

_49051_war4

     هو بحث مهم في تاريخ الكتاب العربي ومن أشهر الكتب المتناولة وأقلها شأنًا للدكتور علي الوردي. تناول فيها دور رجال الدين الوعاظ والصراعهم النفسي وازدواجية شخصيتهم ودروهم في إصلاح المجتمع وكذلك العكس حيث يتناول دورهم في إفساد المجتمع من ناحية تغليب مصلحة السلطة على الشعب خصوصًا بتركيزه علي عهد الصحابة كعادته ثم ينتهي موضوع الكتاب في فصوله الأولى ويتناول بقية الكتاب في غير موضوعه.

7598213

     يبدأ الوردي في مناقشة شخصية رجل الدين الوعاظ أولئك قريبي الصلة من بلاط السلطة حيث تناولهم منذ بداية قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ثم تعمق في دورهم فترة الحرب الأهلية بين جماعتي علي ومعاوية وما كان من إفرازاتها كلمحة خاطفة حيث كان تركيزه أكثر الأمر في الدور التأسيسي أي القرن الأول.

     مقدمة علي الوردي في كتابه تعطيك التصور العام للكيفية التي سوف تكون نهجه في الكتاب فعندما يخبرك في المقدمة من السهل أن يغري الشيطان إنسانًا اعتاد على الوقار المصطنع والتزمت الشديد” ص 9 (*) فأنت تعرف ماطبيعة الدراسة التي سوف يتناولها والتي قد وفق فيها وليت نهج علي نفس المنوال بقية الكتاب.

      في طيات الكتاب مناقشة علمية لرجل الدين والسلطة وأثر المال والمنفعة في خلق الهوة بين العامة وبعض الصحابة ضد (عثمان) وحتى موعد قتله وكذلك استمرار (بعض) الأصوات باسم الدين في عهد (علي) من بعده في تسيس مصالحهم على (دم) عثمان. وكذلك الحديث عن حالة الغنى والفقر وأثر ذلك في عهد عثمان وعلي وصولًا لقيام الأموية مع (معاوية)، والدور الخطير الذي قام به (أبي ذر الغفاري) في عهد عثمان في مسألة كنز المال حتى إنقاطعه عن الناس لغاية وفاته والذي يراه الوردي طردًا بينمه هو من خرج للربذة. تناول (علي الوردي) لمثل هذه الشخصيات وهذه الحساسية فاق (هادي العلوي) بسبب نظرية الأول التطبيقية ويقابلها على العكس جدلية التاريخ المادية / الماركسية عند الثاني. إلا أن جدلية هادي العلوي كانت أعدل منه وكان موضوعيًآ أكثر منه.

6494415

      بعد ذلك يتناول الوردي مفهوم العنصر الأحنبي أو الخارجي صاحب الوجود الخفي مثالًآ لما هو في التوراةو وهو هنا يناقش ذلك في شخصية عبد الله بن سبأ في عهد علي بن أبي طالب وأثر الرواية المغرضة في هذه الشخصية والوردي ينكر هذه الشخصية وللأمانة هي شخصية مقلقة في البحث الإسلامي مابين منكر لوجودها ومثبت والمؤلف يتحدث عن دورها في مسألة نهوض السبئية وماذا حدث منها من فتن ويرد ذلك لدور الدعاية للفريق المنتصر. ص 95 – 116 (**).

     مابين المبحث السادس والسابع المؤلف يركز على دور النبي في طريقه تعاطيه مع قريش ودور قريش ما بعد وفاته، وفي هذين الفصلين استشهاد من الوردي من مراجع حديثة عربية وأجنبية الكثير منها أعتمد في الأساس على روايات هشة تعادي بعضها الصحابة في القرن الأول. لم يحسن مناقشتها الوردي مثلما فعل هادي العلوي وهذه تحسب على الوردي. رغم أن لا ضير في الرجوع للمراجع الحديثة وكتابات المستشرقين لكنه كان يختار وفق نهج معين.

عن الكتاب :

1

     أولًا : قبل ما سيأتي من نقاط أنا معجب بالكاتب الوردي الذي قرأته في موسوعته : (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)، وكتابه هذا من أشهر المؤلفات العربية معجب بجملة (40 %) أي أعترض على نقاط لا تمس رجل الدين ولكن تمس تفسيراته لبعض الصحابة فلم يهبني حولها مصدر يستسقي معلوماته فيها ولكنه عوّل علي مراجع وليس حتى مصادر كمراجع جرجي زيدان، وطه حسين في كتبه عن الفتنة وغيره.

Booksstream_k33_imgH316

2

     ثانيًا : أتفق مع من يقول بأن لا أحد فوق القانون أو لا يطاله نقاش التاريخ وضد تقديس ما عرفناه بالمقدسات الإسلامية بإستثناء محمد صلى الله عليه وسلم فذلك عندي فوق أي شبهة وهو كذلك عند غيري.

فيما بعد :

3

     شهرة هذا الكتاب منحته هالة من التقديس لا تمكّن أي باحث من تقديم شكوك حوله وهذه من سلبيات القارئ العربي الذي يمنح القداسة لكثير من الأمور، وربما مرض هذا التقديس للنقطة التالية.

4

     سر إقبال العرب على هذا الكتاب هو شبه الإجماع على كره عنصر (رجل الدين السياسي) من وصفهم الوردي بوعاظ السلاطين وهذا أمر طبيعي لكرهنا نحن العرب من يمثل ضدنا دور الوصاية وهو أمر موروث لدينا يتغلغل في جيناتنا الوراثية، وغير دور الوصاية عدم تقبل هذا النموذج الكريه من الذين يستغلون اسم الله لمصالحهم الشخصية.

5

     إستمرارية نموذج (وعاظ السلاطين) ليومنا هذا خصوصًا في الخليج العربي (السعودية الكويت العراق مصر) وبقية الدول العربية ليست في معزل عزز من قيمة هذا الكتاب ومنحه صفة الديمومة وبقائه متناولًا حتى الآن لأنه صالح جدًا للرجوع إليه، ومن يدري ربما مرت أجيال بعدنا ستجد حاجتها في الرجوع إليه.

6

     يجتهد الوردي في البعد عن الطائفية فهو بعيد كل البعد – كما تُلمّح كتاباته – عن كل الفرق رغم جذوره لأحدها لكنه يتضح في بعض التناولات موضوعيته ويحسب على الإعتدال ولكن هذا الإعتدال لا يلغي طريقة مناقشته للكثير مما هو ضعيف مردود. لكن الُمسلّمين لما يقله يرون نقد الوردي ضد إيمانهم به وما إيمانهم به إلا إيمانًا بحرية ينادي بها (في مجملها جميلة) لكنها تحمل الكثير من التشويه للحقيقة التي يبحثها.

7

     الوردي، أصبح بفعل التقديس العربي – وهذه حقيقة – صنمًا صنعه القارئ الذي لا يريد قراءة التراث لكن يريده أن يأتي إليه وقد نُقّح. بينما كتب التاريخ والتراث وكل كلاسيكيات القرون الأولى مشاع ومتداول وبكثرة وبتحقيقات عدة أي أن المتن موجود ولم يحرف. ولاأقول لك : اقرأ المصدر فقط بل اقرأ المصدر والمرجع والدراسات الحديثة. لكن يجب أن نحترم عقولنا كجزء من إحترامنا لأنفسنا، ونكتفي من ظاهرة أن يخرج لنا كل بضع سنين من نطير خلفه ونؤمن بكل ما يقول.

8

     تخبط الوردي كثيرًا في طرح عندما تناول إنتشار الإنحراف الجنسي وعممه دون تخصيص على المجتمعات التي يشتد فيه حجاب المرأة” وليته حدثنا عن المجتمع الذي يقول أنه درس فيه في الولايات المتحدة وليته حدثنا عن أوروبا فكيف سيقارن فيه أن هذا سيقول به كما قال (الطهطاوي) عندما أمتدح علاقة الرجل بالمرأة في فرنسا وبعد الرجل عن الرجل (المثلية) والغريب إنتقاده للطهطاوي في هذه النظرة في كتابه (تخليص الإبريز : رحلته لفرنسا). لكن وقع في التعميم. وليس هذا دفاعًا عن الحجاب بقدر ماهو نظرة الوردي الغريبة.

photo

9

     الفكرة الأم للكتاب لم تكن وعاظ السلاطين بالمقام الأول بل الفتنة في القرن الأول بينما الحديث عن الفئة الفاسدة من رجال الدين تلاشت بعد الفصول الأولى ولم يبقى منها غير رتوش في بقية الكتاب لو أستمر في طرحها لكنا أمام كتابٍ كتب له أن يكون عظيمًا، وبخصوص (بعض) من ((يتوهّم)) أن كتاب الوردي فقط لمناقشة وعاظ السلاطين (مشائخ السلطة) وتجده يتحدث عن مناقشته فقط لهؤلاء (الوعاظ) فأعلم أن هذا القارئ أحد صنفين :

  • ربما لم يقرأ الكتاب كاملًا.

  • ربما قرأ الكتاب كاملًا وخشي مناقشة الجزء الأكبر لبقية الكتاب. فسلم لها وأكتفى بطرح رأي حول جزء من كل.

 

10

     يتكرار فكر هذا الكتاب مع كتابه الآخر : (مهزلة العقل البشري) بل التكرار بين الكتابين يقع في تكرار الكثير من الأفكار ومحاولة طرحها بطرق مختلفة في قرابة (5) فصول.

11

     مناقشة الوردي في (مهزلة العقل البشري)، و(وعاظ السلاطين) جزء (كبير) من تداخلات ثقافة الكتاب موجهة للفرد العراقي، ولا يعني هذا إلغاء عنايته بالفرد العربي.

12

     لو عمد أحدهم للنقاط التاريخية التي ذكرها الوردي وفندها فقط بين الصواب والخطأ دون نقاش لكانت كارثة بكل المقايس ومفجعة هذا غير لو تم طرح الروايات الضعيفة التي يعتمد المؤلف ولا أعلم أين الموضوعية في الطرح.

مباحث كتاب (وعاظ السلاطين) :

     الوعظ والصراع النفسي / الوعظ وازدراج الشخصية / الوعظ وإصلاح المجمتع / مشكلة السلف الصالح / عبد الله بن سبأ / قريش / قريش والشعر / عمار بن ياسر / علي بن أبي طالب / طبيعة الشهيد / قضية الشيعة والسنة / عبرة للتاريخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* / وعاظ السلاطين ، علي الوردي، دار كوفان، لندن، ط 2، 1995م، ص 9.

** / الكتاب، الفصل الخامس.

عن الكاتب ميقات
ميقات الراجحي .

أكتب تعليق

*