تاريخية ابن خلدون بين المقدمة وكتابه العبر

مقدمة ابن خلدون

مقدمة

 

      هذا الكتاب من الكتب العربية التي إذا لم يقرأ أحد بعض فصوله يكون على الأقل قد سمع به. هذا كتاب أعتقد أن كل معني بالثقافة العربية من (قريب) أن يقرأه.. أقول من قريب ولم أقل : (أو من بعيد) فأولئك (البعيد) ذلك أعصى من أن يحبوه.

     عندما كتب ابن خلدون مقدمته أرادها مقدمة (تعريفية) لكتابه الكبير التاريخي (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). أعتقد أن ابن خلدون لاحظ حجم المعرفة وكثرت ما كتب في المقدمة فواصل الكتابة في المقدمة وتعمق أكثر فيما كتب من نظرته للعمران البشري (علم الاجتماع – Sociology) والتاريخ والعرب والبداوة والحضارة ليصبح لدينا هذا الكم المعرفي من مابتنا نسميه اليوم بعلم الاجتماع. فمقدمته هذه في الأساس هى مقدمة كما ذكرنا لتاريخه الكبير (العبر) فيما بعد وفي العصر الحديث عد الكثير من المصنفين أن المقدمة كتاب منفصل والآخر عدها بمثابة الجزء الأول من كتابه التاريخي الكبير.

medium_30173

      يعتبر تحقيق (د. علي عبد الواحد وافي) عضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع. خير نسخة محققة في (4 أجزاء) استغرقت سنوات : 1376 – 1382هـ / 1957 – 1962م. لجنة البيان العربي، وهنالك نسخة من تحقيق (عبد السلام الشدادي)، عن خزانة ابن خلدون، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، 2005م. فكلا النسختين أعتنت بنشر فصول و(فقرات) ناقصة من الطبعات السابقة المنتشرة في دور النشر.

17735010

      خصص ابن خلدون مقدمته بصفة عامة لمناقشة الظواهر المورفولوجية من خلال مناقشة بنية المجتمع.

     

     فيبدأ أول مقدمته في فضل علم التاريخ وهذا كما قلنا لغايته التأليفية وهي كتاب التاريخ. وقد وضع لنا مباحثين ومهتمين بالتاريخ أسس في منهج علم التاريخ هي قائمة ليومنا هذا، ثم تحدث عن طبيعة العمران (علم الاجتماع) وهنا حديث غاية في الأهمية عن الحضارة وأثرها في منبت البدوي والحضري والأمم الوحشية والقبائل وعن أصول المدنيات في المجتمعات وهذه الفصول من أروع فصول الكتاب.

     فيما بعد يتناول ابن خلودن حديث مهم عن الدول والملك والخلافة كمنصب حكم” والمراتب السلطانية ونظم الحكم وشئون السياسة، وكل هذا جديد على العقلية العربية وعلي نهج التأليف لذا عد الكتاب سابقة. ويواصل كتابته في التعريف بالبلدان ومفهوم العمران داخل البلدة والأمصار، ثم ما يتواجد فيها من سبل العيش والكسب (العمل)، ثم العوم وأصنافها. وكل باب من هذه الأبواب مقسمة ومفصلة. نعم لم يحلل ابن خلدون ظاهرة العمران الاجتماعي وذلك لعدم نضوج تلك العقلية العربية في تلك القرون حتي علي مستوى دول أوربا لكن وصوله لهذه المرحلة من تقرير واقعات العمران البشري”، وأحوال الاجتماع الإنسانيهي في حد ذاتها تقدم. كان ابن خلدون في كتابه هذا يطمح لتبيان ارتباط الأسباب بمسسلتها والمقدمات بنتائجها اللازمة التي تنبيء بحدوث نتائج معينة.

من نظريات ابن خلدون في المقدمة :

  • من نظريات ابن خلدون : لا يحصل الملك وقيام الدولة إلا بالعصبية والقبيلة.

 

  • قد تستغني الدولة والملك عن العصبية والقبيلة بعد استقرار دولتها .. وهذا فعلاً حتي في تاريخ المشيخات الخليجية إذا ما ربطنها بهذه النظرية.

 

  • الدعوة الدينية تمنح القوة للدولة أكثر من العصبية وهذا قد نقيسه علي بلاد أوربا أثناء سيطرة الكنيسة والدول الإسلامية في مراحلها المبكرة.

 

  • الأوطان كثير القابئل والعشائر يكون من الصعب القدرة في السيطرة عليها كدولة قوية.

 

  • حدد ابن خلدون أن للدولة عمر زمني. مثل ذلك كالشخص مولد وطفولة ومراهقة وشاب وعجز وموت، وهذه من أكثر النظريات التي تخيف الدول العربية خصوصًا لمكانة مقدمة ابن خلدون في العقلية العربية.

 

  • الأمم الوحشية أكثر قدرة على التغلب، وأعتقد مرد ذلك لخلو هذه الجماعات من مبدأ الإنسانية.

 

  • ولع المغلوب بتقليد الغالب.

 

  • الأمم الغالبة عندما تصير في ملك غيرها هي أسرع للفناء.

 

  • أن الفلاحة من معاش المستضعفين.

 

      وهنالك الكثير من الظواهر التي يناقشها ابن خلدون.. أٍول يناقشها ولا يحللها أو يعيدها لأصل الأول وليس هذا خللاً في معرفية ابن خلدون بقدر ما هو ولادة هذا العلم الجديد(العمران البشري : علم الاجتماع) في ذلك الوقت. ووصول ابن خلدون لهذه الظواهر بسبب تقدم العقلية العربية في الأندلس والمغرب العربي ليس لإحتكاكه بأوروبا فأوربا ماتزال في ضعفها ولم تنهض بعد إلا بما وصل لها من علم الأندلس وعلوم سابقة من العصر العباسي الأول. لكن العقلية العربية نضجت فتجاوزت مراحل الكتابة الدينية والتاريخية البدائية فأصبحت تقارن وتعيد قراءة التاريخ والظواهر بدرجة أعلى لا نقارنها بدرجة ما بعد القرن الثاني عشر الهجري ولكنها تقدمت عما سبقها من قرون.

    سبق ابن خلدون بعلمه في كتابه هذا الكثير من المفكرين الغربيين والعرب المعنيين بعلم الاجتماع حتى نظريات (Auguste Comte – أوغست كونت) الذي جاء بعهد بفرابة (4 قرون) عاشت في زمنها ثورة حقيقية في علم الاجتماع وانطفأت في العصر الحديث بينما ماتزال نظريات ابن خلدون قائمة أمام عيننا (( وهذا )) إما لخلال في تركيبة المجتمع العربي / الإسلامي وعدم تطوره، أو أن نظرياته مكتوب لها الإستمرارية وفق العلقية العربية وثمة فرق بين النقطتين.

كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر :

tarikh-ibn-khaldoun-1-7-11

     تبدأ تحفة الكتاب من طول عنوانه : كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) والتراث العربي لديه مثل هذه العناوين التي لا تكتفي بطابعها الكلاسيكي فقط من ناحية السجع بل بمحاولة إلمام محتوى الكتاب من خلال العنوان، وهذه الميزة تجدها عند أهلنا من كتاب المغرب العربي مثل كتاب (ميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين في ذكر الصحابة الأكرمين ومن في عدادهم بإدراك العهد الكريم من أكابر التابعين) وهو للكلاعي (i).

      بعد تأليف ابن خلدون لمقدمة هذا التاريخ وهو كتابه (المقدمة) شرع في تأليف كتاب تاريخي يختلف عن نهج من سبقه من ناحية تداخل علم الاجتماع مع رواية الحدث التاريخي وبعذا يكون الكتاب مع المقدمة في سبعة مجلدات وبعض دور النشر التي عنيت بوضع الفهارس الخاصة الأعلام والأماكن والمؤلفات ترفق جزء ثامن لهذه الموسوعة التاريخية الرائعة.

168034453

هذا التاريخ :

  • دقة ملاحظة المؤلف في توثيق الحدث من خلال مناقشة جميع جوانبه الاجتماعي وذلك لسعة أفق هذا الرجل.

 

  • لم يصنف ابن خلدون كحيادي من الطراز الأول مثل محمد بن جرير الطبري لكنه لم يجانبها فقد بقي قريبًا منها لحدٍ ما.

 

  • كتب التاريخ بالطريقة التقليدية الحولية مع محاولات لعنونة وتبويب الكتاب.

 

  • يتناول ابن خلدون تاريخ بدء الخليقة إلى عهده.

 

  • يرفق مع التاريخ المقدمة.

 

  • من المصادر الوافية عن الأندلس والمغرب العربي.

 

  • قام الأديب العربي الكبير (شكيب أرسلان) بتحقيق (الجزء الأول) من التاريخ، (والجزء الثاني) وتوقف عند رأي ابن خلدون في معاوية وبني مروان والخلافة والملك في نظر المؤلف.

 

  • وضع (شكيب أرسلان ) لما حققه في (الجزء 1 – 2) ملحقًا كان في الحقيقة كتابًا كبير الحجم ناقش فيه بعض النقط التي توقف عندها في تاريخ ابن خلدون : 1 الصقالبة / 2 الأنساب / 3 الخلافة واشتراط القرشية / 4 مذهب النشوء والارتقاء / 6 التوراة وهل وقع فيها تبديل أم لا؟ / 7 تاريخ العرب الأولين / 8 الترك / 5 نوح وولده وقضية الطوفان والسلائل البشرية.

 

  • لم يكمل شكيب تحقيق بقية التاريخ – حسب علمي – لكنه أفضل من حقق الكتاب خلال الجزءين السابقين.

 

13616477

 

  • من أجمل طبعات الكتاب (المحققة) الاستاذ خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار من طبعات دار الفكر.

ـــــــــــــــــــــــــــ

iهنالك كتاب آخر أكثر طولًا ولا أعلم غيره حتى الساعة من كتب الكلاسيكيات التراثية : (معارج الألباب فى مناهج الحق والصواب،لإيقاظ من أجاب بحسن بناء مشاهد والقباب،ونسى أيضا ما تضمنته من المفاسد،وهى عجب من الخطوب عجاب ،وأحال أخذ الحكم من دليله فى هذه الاعصار،فسد باب الحكمة وفصل الخطاب،وعطل عن الانتفاع فى هذه الأزمان بعلوم السنة والكتاب،وإلى غير ذلك مما يأتيك فيه إن شاء الله بأحسن تحرير وجواب) وهو من رجالات القرن الثاني عشر هجري.

عن الكاتب ميقات
ميقات الراجحي .

أكتب تعليق

*