كتاب : شخصيات غير قلقة في الإسلام .. هادي العلوي

Alaoui

     هادي العلوي ككاتب في التراث .. كلاسيكيات الحضارة الإسلامية كاتب لا يختلف عليه أثنان من ناحية علو سقف الثقافة لديه ومن ناحية مهمة كاتب يجيد المقارن بين مصدرين مهما تقاربا زمنًا أو بعُدا وهذا يعني الكثير لإستقراء النتيجة أو الخلاصة التاريخية. لكن يعاب عليه من وجهة نظري – هو استنباطه لأراء وتأويلها وفق المدرسة الماركسية.. هو لا يفرق في كل كتاباته بين النصرة لفريق على فريق سنة أو شيعة مالكية أو حنبلية فالجميع لديه مجرد نص وحدث يجب دراسته وفق معاير ونظريات حديثة بعيدة عن قدرة الله وأمور الغيب؛ هذه هو هادي العلوي. وليس هذا من الحيادية لديه ولكنه هكذا في كتاباته صاحب نظرة لا دينية، وما رد ذلك إلا لنظرة للتاريخ وفي المادية التاريخية وهو من الرموز الفكرية الماركسية العربية.

شخصيات

     يمكنك قياس ذلك على أي مثال يخطر في بالك فمثال لو سألته أنا عن الإفكولو قلت له تمت نزول آية عن براءة عائشة رضي الله عنها موجودة في القرآن لقال لك : الشيعة يكذبون في حادثة الإفك نكاية بعائشة ونصرة لعلي، والمسلمون كتبوا آية في القرآن نصرة لعائشة، وتعزيزًا منهم لرمزهم الديني محمد. فكل شيئ لديه يتم تحليله بعيدًا عن الله.لكن .. وبحذر عندما يتحدث عن حدث تاريخي أو يحلل سلبية تاريخية أو يناقش كتاب هو آية في ذلك.

     لذا وبعيدًا عن تبني دور الوصاية وكأني أخاطب نفسي يجب التعامل مع نصوص هادي العلوي بحيطة وبمعرفية تاريخية سابقة وإلا سيلتهمك النص دون تحديد مذهبك فهذا لا يهم.

206

     هذا الكتاب من جميل تأليفه في نقد الشخصيات أو السير وهو الذي قد تناول في الكثير من الكتابات الشخصية الإسلامية / العربية لعنايته بالحضارة الإسلامية وأكثر من تناولهم هم الخلفاء الأربعة الراشدون يكاد لا يخلو كتاب من كتبه دون ذكر لهم، وفي هذا الكتاب كان كثيز الحيادية وهذه ميزة للكتاب وليس له.

1

     سلمان الفارسي (صحابي) : الذي يصر على إبقاء صبغته الفرسية في روزبه الأصفهاني. تناوله كإرث إسلامي يتنازعه السنة والشيعة وقد تحدث عنه كثيرًا من الزاوية الشيعية لإعتبار سلمان أحد الرموز عند الشيعة بينما عند السنة أحد الصحابة يمتاز هو عن غيره وغيره عنه بمن قدم في أول الإسلام، وقد عتب على المصادر الشيعية في وصفها المبالغ لهذ الشخصية.

2

     عامر العنبدي (تابعي) : يتناولها العلوي من ناحية تعبدها وتنسكها في إنقاطعه عن الزواج – العزوبية – برغبته ، وعدم تناول اللحم، وعدم حضور صلاة الجماعة، وتفضيل نفسه على آل إبراهيم ص 36 ، دار الكنوز ط 1995موقد أورد فيه الكثير من الأراء التي دارت حوله. بل أن هادي العلوي تاه في تحديد معالم شخصية لأنه لم يتمكن من وضعه كزنديق وفق الروايات التراثية ولا صوفي لتأخر بروز مدرستها بعد، ولم يستطع وضعه ضمن أهل الكلام إلا أنه أعاد جذوره لتربة البصرة التي ستولد مثل ذلك النموذج مع توسع أكثر في العقود اللاحقة.

3

     الفرزدق (شاعر أموي) : اعجبني في تشريحه لشخصيته جانب الولاء القبلي عنده الذي تجاوز ولاء الدولة وولاء الدين دون الإضرار بإحداهما، ولم أجد فيما كتب عنه مايرضي نهمي ورغبتي في الإستزادة عن تشريح شخصية هذا الشاعر الذي لا يشك أحد في شاعريته الكبيرة جدًا غير أنه عنصري.

4

     الحسين بن علي بن أبي طالب (صحابي) : الحديث عنه في الكتاب من ناحية سيرة كربلاء وأبرز ما في هذا السيرة – وفق الكتاب – ذكر المؤلف لأشارت في دراسات حسينية أن جيش الطرف الآخر – الجيش الأموي – في جملته كان يتحاشى قتل الحسين، ومن جماليات نقده لشخصية الحسين مسألة القصيدة الشيعية في مدح الحسين بالتعريج للكميت كعلم بارز في الهاشميات، وهو يعتبر أي العلوي رغم جذوره أن كتابات حادثة كربلاء للشيعة كتب وفصول كثيرة من كتب حول الحدث لا يعول عليها كثيرًا في التأرخةله. غير أنها مصدر هام في المنحى الاساطيري والفولكلوري المتعلق به “ أنتهى. ص 78”.

5

     شبيب الخارجي (العصر الأموي) : وهو مؤسس الحرب المتنقلة وهي ما يعرف اليوم بحرب العصابات، وتناول بتناوله هذه الشخصية الخوارج وضراوتهم في الحروب وقد اعجبني هذا الفصل أو حديثه عن هذه السيرة لأنه تطرق بتاريخية متقنة للخوارج في العهد الأموي، وشبيب ممن أوجع رأي الدولة الأموية مثله الكثير من المعارضين.

6

     زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب (صاحب مذهب) : وهو من يتبعه اليوم الزيدية من الشيعة وقد تناول سيرته العلوي بحيادية. حيث يذكر بإختصار عن مذهب زيد وقد خرج فيه على مسلمات أهله (يقصد خلافة الشيخين) ص 89 – 90”، وكان مرد هذا بإعتبار أن الاستخلاف مسألة شكلية والتعويل في تصريب خلافة شخص ما على سلوكه في الخلافة، وسيرة زيد من أطول الفصول في الكتاب مقارنة ببقية السير.

7

    الحارث بن سريج (معارض الأموي) : وهذا معارض أموي آخر، وقد انتزع بعض المدن من السلطة الأموية التي كانت قد قربت من السقوط، وهذه المعارضة التي تزعمها الحارث من أخر ما واجه الأموية وسبب ذلك إقليمية مشروعها بينما المشروع الذي سيتلوها هو أعمق حيث مركزية الحكم وهو من سينجح متمثلًا في العباسية لمناسبتها لذلك الظرف التاريخي.

8

      يزيد الناقص (خليفة أموي) : محسوب على القدرية من هذا المسلك يحلل المؤلف شخصيته ويتحدث عن إنقلابه على أخيه الحاكم السابق (الوليد) وهو من الخلفاء القلة الذي شرعوا لأنفسهم برنامجًا للحكم بإطلاع الناس وأعتقد قيامه بذلك ليخفف وطأة إنقلابه وقتله لأخيه كخليفة، وأهمية برنامجه أنه يوضح محاربته لكل ما كان يقوم به الخليفة الأموي وهي كوارث، ولكنه يموت بعد بضعة أشهر.

9

     أبو حنيفة (صاحب مذهب) : القضايا التي يناقشها العلوي عند الحديث عن هذه الشخصية نقاط مهمة في حياة رجل الدين أبي حنيفة النعمان كإسقاطه لسهم ذوي القربى من الخمسو وقوله بالتكافؤ في الدماء، وجوازه للمرأة تعينها قاضية. لكن المسألة الأهم والتي أعتقد ما تناول العلوي هذه الشخصية إلا لهذا الأمر هو مسألة الخمر ورؤية أبي حنيفة فيها حيث عدت هذه من مذهب في القياس. حيث أعتبر علة تحريم الخمر الإسكار فنقل التحريم من شرب الخمر إلى السكر وبهذا القيتس بإختصار شديد أباح النبيذ لضعف قوة إسكاره ص 133، وكذلك تأييده للخروج على الحاكم بالسلاح.

10

     بشار بن برد (شاعر مخضرم أموي عباسي) : لكنه برز وحسب على العصر العباسي أكثر منه على الأموي. وحديثه عن شعره وماهو أهم من شعره أي الإتهامات التي وجهت له في عقيدته ومشاركته في المعارضة مع سفيان الثوري وأبي حنيفة النعمان وغيرهم ضد أبي جعفر المنصور، وهو أي بشار عند العلوي وعند غيره لا يختلف عن الفرزدق من فسوق وجون وممن أشتهرا بالهجاء كلاهما كلًا في عصره.

11

     النظّام (متكلم عباسي) : عاصر نهاية عصر القوة أي العصر العباسي الأول وهو من أهل الكلام، ومن تلاميذه الجاحظ، وهو بين مذهب أهل الخوارج وبين كلامه ما يوفق أهل الشيعة من الغلاة ومن المعتدلين وبعض أفكار الأشاعرة وتتداخل في أفكار بعض أقوال الزنادقة!!. ص 178.

12

     الرازي (طبيب وفيلسوف عباسي) : ينقل لنا بداياته منذ أن كان مغنًا حتى تركها وبرع في الطب والفلسفة ويحدثنا المؤلف عن الرازي الفيلسوف أكثر من أي آخر في شخصيته، وما تحدث به في الميتافيزيقيا ص 186، ونظريته في الذرات. لكن الأهم من كل ما مضى هو شخصية الرازي (المتكلم) فيما يخص الربوبية وإنكاره للأديان وتكذيبه للأنبياأ في مخاريق الأنبياء”، العلم الإلهي” كتاب يعرف من ردود من عاصره وكتب عنه وهو مما لم يصل إلينا.. وقد أعتبر الرازي أول فيلسوف مسلم ليس مجرد مترجم أو ناقل لفكر من سبقه.

13

     صاحب الزنج (معارض عباسي) : علي بن محمد وهو رجل يقوم بثورة هو وأصحابه الأفارقة. وأسس دولة وشاركه بها أناس من أهل النبط والزط وهم جماعات هندية في جنوب العراق، وقد عكس هذه الثورة عندما كونت الدولة قصيرة العمر قبل إسقاطها والقضاء عليها أن جعلت العبيد أسياد والأسياد عبيد، ويتعمق العلوي في تتبع خيوط الثورة ودولتها ذات الـ(14) عام ويعالج نجاح غايتها رغم سقوط دولتها، وكيف تمكنت من إيقاف مشاريع الرق والعبودية.

14

     صلاح الدين الأيوبي (مؤسس الأيوبية) : أكثر ما تناوله المؤلف في شخصية صلاح الدين خطوات مسرته التقليدية بينما لم يتناول شيء عن هيكله السياسي كتشريح سيرته وفق ما فعل مع من سبق. أي مجرد حديث عن سيرته من النشأة حتى القيادة العسكرية وإسقاط الفاطمية وتأسيس الأيوبية ومن ثم الحروب الصليبية وإسترداد بيت المقدس ومعركة حطين. ولم يقدم شيء في تحليل شخصيته.

15

     عمر بن عبد العزيز (خليفة أموي) : وقد تناول هادي العلوي شخصية عمر بن عبد العزيز كثيرًا في مؤلفات أخرى ومرحلة خلافته وِأثرها في التاريخ الإسلامي خصوصًا وقوعها بين خلفاء سبقوه ولحقوه لم يكن أحد في مستوى تقياه، وتناوله كذلك في كتاب الأغتيال في الإسلام. بينما يؤرخ عن شخصية دون الدهول في التفاصيل. فقد تحدث عن شخصيته وفق التلفاز وأثرها وكأن الفصل هذا مقالة منشورة سابقًا ولا أستبعد ذلك.

فاصلة

لم يكن تناول هادي العلوي لهذه الشخصيات من باب عشوائي بل كانت كل شخصية ذات أثر مرتبط بالتاريخ الإسلامي سواء في عصر أول الإسلام أو العصر الأموي أو العباسي ويحاول جاهدًا استخراج جوانب يدعم بها أفكار قد تفيد في الوقت المعاصر من ناحية عدم تكرار الخطأ وإبراز ما يمنح حق التجربة للنموذج الناجح دون أن يوصي بذلك.

عن الكاتب ميقات
ميقات الراجحي .

أكتب تعليق

*